“ان الاوطان تبنى و تزدهر بترسيخ ثقافة الايثار و العطاء وليس الإثر والاخذ”

لاشكّ في أنّ هذا العُنوان هو خيرُ عنوانٍ سأُنشئُ موضوعاً في سياقِه، لوهلة وقفتُ أمام نفسي في المِرآة أُسائِلُها، ما الذي قدّمتِه للوطنِ يا هداية؟ 

فصمتّتُ في عجز.. 

و ط ن كلِمةٌ من ثلاثِ أحرُف، هل هي مُجرَدُ حدودٍ جغرافية ونظامٍ استبدادي وسلسلةُ استعمارات، ثم ثورة و سلسلة نكبات أم ماذا.. 

الوطنُ في اللغة وفي المُعجمِ العربي تحديداً، هو مكانُ سكَنِ الإنسان.. فهل هذا معناهُ فحسب؟ 

  • زميلتي الفلسطينية 

راودني فجأة موقفٌ لزميلةٍ فلسطينيّة مُنذ سنةٍ او أكثر في الأربعينيّاتِ من عُمرِها، كانت تُدعى “أماني” ذكرها الله بالخير، ممّن مثّلوا “كلمة الوطنيّة” حقّ تمثيل، عندما تحدّثت مُمجِّدةً فلسطين أمامنا، ونحنُ نذُمُّ الكهرباء والوطن.. فقالت في نبرةِ توبيخ: 

 “احمدوا الله ولا تجحدوه، وطنُكم جميلٌ وعريق، لوموا أنفسكم على كُلِّ تقصيرٍ في حقِّ وطنكم، لوموا من فسُد من الحُكّام، واتركوا الوطنَ بريئاً من اتهاماتِكُم”  

وبالرُغمَ أنّها لم تزُر فلسطين بتاتاً فقد سألناها السؤال السطحيّ الذي اعتدناه: “ما الذي قدّمهُ لكِ وطنُكِ حتى اليوم، حتى تُعطينا درساً في الوطنيّة؟” قالت: “عندما تربّيت لم أتعلم أن ابحثَ عمّ قدّمَ لي وطني، إنّما تعودتُ على أن اُسأل عمّا قدّمتُ أنا لهُ وفي سبيله، من علمٍ وأدب وحُسنِ تمثيل، واجابةً عن سؤالِك… فوطني قدّم ليَ خيرَ هديّة، وهي الانتماء رُغمَ البُعد، كلِمةُ “فلسطينيّة” وحدها عندما أقولُها بكُلِّ فخر، بالإضافةِ لكونُهِ قضيّة حقٍّ وخُلق ودين قبلَ كُلّ شيء، استغرِبُ ممّن يقبلون تجنيس الفلسطينيّين، او حتى من الليبيين الذين يختارون اسقاط جنسيّاتهم امام القانون للحصولِ على جنسيّة اخرى بدوافع عدة تبدو ومهما تحدّثنا فيها سطحيّةً للغاية. 

جعلتني هذه المرأة الفلسطينيّة يومها بصددِ المُفاضلة، بين وطني ووطنها، ووضعي ووضعها. تذكرتُ أحد اسطرِ الكاتبة خولة حمدي حيث كتبت عن الجيش اللبناني في الاراضي المُحتلة “إنهم يدافعون عن وطنهم.. ولا يهمهم أن يعترف بهم أحد.. طالما كانت قضيتهم عادلة، ليس غريبا ألا ندرك من ما يحركهم، فنحن لم نعرف معنى الوطن” 

فهل نعرِفُ نحنُ معناهُ حقاً؟ أم انّهُ مجرّدُ احتواء وانتماء وحُب وكلمات فارغةُ المعنى، سطحيةُ وبلا اصلٍ مُتجذِّر داخلنا، كما تعلمنا وكررنا في صفوفِ المدارس، ما لذي فعلهُ والدا تلك الفلسطينيّة ليجعلوها تشتدُّ تعلُّقاً بكلماتٍ وطنطناتٍ ظننّاها عابرةً واعتياديّة كالانتماء والحُب يا ترى، وكيفَ لها أن تُدرِك ما لا نُدرِك، أم أنّ المرء لا يُدرِكُ قيمةَ الشيءِ إلّا بعدَ فقدانه حقاً؟ 

  • الأثر والبذل 

لعلّ الجُملةَ التي استفتحتُ بها اليوم تأخُذني أُنبِّشُ في صفحاتِ الماضي، باحثةً عن معنى الأثرِ والتأثيرِ والبذل.. فذهبتُ ما بينَ مقاطِع ذاكرتي رابِطةً لأحداثٍ وسيناريوهاتٍ سابِقة، فقد تغيّبت مُعلّمة الرياضيّات منذُ بضعِ أسابيع، فكانت مُعلِّمةٌ من الاحتياطِ العام هي من سُلِّمت لها الحِصّة، ومرّت بجلوسٍ في سكون، فقد منعت تصفُّح الهاتِف فجلستُ مع صديقاتي أُحادِثُها ليمضي الوقتُ قليلاً، فسألتُها “ماذا تخصصتِ؟” قالت “اقتصاد، ولم أدرّس منذ سنون عديدة، ولا بالَ لي لأتحمّل جيلكم وقلّة ادبه ولا لتحمِّل عبء التدريس اليوم كما فعلتُ منذ اثني عشرةَ سنة، فأخذت تسألنا عن مُعدَّلاتِنا، فتلومُ زميلتي وتُخبرها أن مجهودها غير كافٍ وهي لا تعلم أنّ المسكينة قد تغيّرت اليوم كثيراً عن قبلها من السنوات، فقد تحصّلت على “جيد جداً” عوضاً عن “جيد”. 

فاعترضتُ انا على ذلك الأسلوب السّام بمنطِقٍ واضح وعارضتُ أسلوبها بشكلٍ مُنمّق، وقلتُ في داخلي: “ما الداعِ لأن تدرِّسها الدولة سنين عديدة، وتخسر اموالاً طائِلة، وهي ولا ترغبَ بتغييرِ مقدارِ ذرّة، وتكونُ مُعلِّمةً لجيلٍ ترفعُ فيهِ ايديها فيه للسماء مُعلنةً نهايةً للبذلِ والعطاء والعلم لقلّة ادبه!!” 

راودني مشهدُ مُشابِه للموظف المُرتشي، والقاضي الظالم، والمُحامي المُدافِع في غيرِ ذي حق لأجلِ مالِ الموكِّل الظالم، وغيرهم ممّن يستغلّون مناصِبهُم، كيف باع هؤلاء أوطانهم ودينهم واستغلوا مناصبهم، أين هو “الوجدانُ والضمير” ثمّ اجبتُ نفسي بتساؤُلٍ آخر أليسَ هذا هو ذاتُ الأدبِ الذي لم يتحصلوا عليه في البيتِ والمدرسة؟ 

أليس ذات الأدب الذي انشغلت الأمُّ ولم تلتفت لزرعه، ورفضت المُعلِّمةُ منحه، وهرب الراعِ من اداء واجبه تجاه رعيتّه فغاب الأدبُ والوجدان وكل معالم الإنسانيّة وحبُّ الوطن! 

فمن هنا بعد أن لفّت المواضيع ودارت يمنةً ويسرى، أجدُ أنّ الوطنُ ليس قطعةَ ارضٍ نسكُنها ونحصُل على امتيازاتٍ فيها عن الغُرباءِ عنها فحسب، انما هو تلك الأرضُ الواسِعة، ببحرها وصحرائِها وتراثها التي نبذل فيها كُلّ ما استطعنا لنكون خيرَ خليفةٍ للهِ عليها، ولنُمثِّل دين الإسلامِ حقّ تمثيل، ولنمثِّل اسمها السّامِ في كُلِّ البِقاع، ولنُشجِّع على العِلمِ والعمل؛ على قيامِ المصنعِ والمسجِد على التوالي، ليكون لدينا أجيالٌ أفضل ولنغيِّرَ ونعمل على التغيير، حتى يكون هدفُنا من العيش التغييرُ والتأثير ..حتى يكونَ الهدفُ عميقاً  ووافياً ومُفيد.. لا مجرّدَ الجلوس والاستسلام. 

  • “التغيير”  

لعلّ الكلِمةَ عميقةٌ في المعنى واسعةُ الأُفقِ في التفسير، لا يدرِكُها من يفقدُ رغبته في البذل لأنّهُ انسانٌ بلا وجهة ولا هدف ولا كيان، يظل يبحثُ عن الراحة في الدُّنيا فحسب، ولكنّهُ تعالى يقول ” لا يغيّرُ اللهُ بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم”.. 

ختاماً يُقاسُ حبنا لأوطانِنا بما بذلنا، حتى وإن كان بلا مُقابل.. فنحنُ هنا لا نبحثُ عن حُبٍّ مشروط.. إنما عن حُبّ مفروض، يفترضُ زرعه فينا منذُ النشء. 

كتابة: هداية الزحّاف. 

0 Shares: